غير بعيد عن "ترندات" الألفية، قرأت في دروس التنمية البشرية أشياء جديدة تصب في تعزيز "الأنا" للشعور بالذاتية، وأن الإنسان بالنسبة إلى نفسه أولوية، وأن التحفيز حاجة ضرورية لتبرز مهاراتك وتبقى نشيطاً متماسكاً في الإنتاجية، وأنك تستطيع أن تفعل كل ما تريد مهما كانت الظرفية؛ وعود خرافية لتأخذ المبادرة وأخرى للتسلية، وشهادة موعودة في نهاية الدورة تُمنح لك لتنضاف إلى سيرتك الذاتية.
| التنمية البشرية في ميزان العقل و الشرع |
التنمية البشرية في ميزان العقل
ولكن الواقع شيء والمفاهيم النظرية شيء آخر؛ فالنجاح ليس مشروطاً أو معلقاً بطقوس شمسية، وليست الجلسات تبني بين عشية وضحاها قصصاً أسطورية. النجاح ممكن بالعمل والتخطيط لا بالانتهازية، بالتوكل على المولى لا بالاتصال بالطاقات الكونية.
لقد ظلموا التنمية البشرية عندما أدخلوا فيها أموراً لا عقلانية تثير الحماسة فحسب ولا تغير من الواقع شيئاً، تبيع الوهم للحالمين بأن الوصول ممكن رغم غياب الفعالية. التنمية البشرية علم إذا أقمناه حقاً على أسس ملموسة قويمة حسية، وتطبيق ما نخطط له باستمرار دون استعجال النتائج والإنتاجية.
حقائق في دقائق
تعديل العادات: يقول رواد التنمية البشرية وتطوير الذات: "حتى تحسّن حياتك حسّن عاداتك"، وعندنا في ديننا الصلاة على أوقاتها تحسّن عاداتنا وتنظّمها.
للمزيد عن العادات اقرأ أقلام أدبية و ملخصات كتب الأكثرشهرة و فاعلية
تغيير الأسباب: يقولون: "إذا أردت تغيير النتائج فغيّر الأسباب"، ويقول ربنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم﴾.
تقديم النصيحة: يقولون كذلك: "لا تقدم النصيحة لأحد إلا إذا طُلبت منك"، وقد قال رسول الله ﷺ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ... منها: وَإِذَا اسْتَنصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ»، وقال أيضاً: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».
قانون الكارما: يقولون بقانون الكارما، ونحن عندنا أصل شرعي أصيل: "الجزاء من جنس العمل".
قانون الجذب: يؤمن رواد الطاقة بـ "قانون الجذب" فيضلون ويضللون، وربنا سبحانه يقول في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ».
الحاسة السادسة والعين الثالثة: يقولون بالحاسة السادسة والعين الثالثة، وديننا يقرّ بـ "فراسة المؤمن" الذي بتقربه من الله يكون سمعه وبصره ويده ورجله التي يبطش بها.
التخاطر: يدعون إلى "التخاطر" الذي توحي به الشياطين، بينما رسولنا الكريم ﷺ يقول: «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ».
وصدق الله العليّ إذ يقول: ﴿ما فَرَّطنا فِي الكِتابِ مِن شَيءٍ﴾[الأنعام: 38].
إذا أردنا أن ننصف في الحديث عن
مهارات الاتصال
تتجسد مهارات الاتصال عموماً في القدرة على بناء علاقات صحية متوازنة تعود على الإنسان بالنفع والارتقاء، من خلال الانتقاء الواعي للمحيطين، والحرص على التواجد مع أناس إيجابيين يُلهمون النجاح، بدلاً من الغرق في طاقات السلبيين. وتكتمل هذه المهارة عندما يتواصل المرء بعفوية وارتياح دون الشعور بأي ضغط، ودون الخوف الدائم من ردود أفعال الطرف الآخر.
وعندما نتناول هذا المفهوم من جانب التزكية الإيمانية، نجد ديننا يحفل بالأخلاق الحميدة التي تؤسس لهذه العلاقات؛ فعلى سبيل المثال، عندما نحسن الظن بالناس، فإننا في المقابل لا نتيح لهم الفرصة لإيقاع الإيذاء بنا أو تجاوز حدود الأدب والاحتياط، ومن هنا فإن رسم الحدود الشخصية الحازمة يعتبر من أبرز سمات الشخصية القوية والمتزنة.
وإذا أردت الاستزادة للتفقه في العادة والعبادة، فما عليك سوى أن تقرأ الشهادة وتأخذ الإفادة من المدرسة المحمدية التي رسمت أعدل الطرق للبشرية في التنمية وأخذت الريادة. ففي سيرته ﷺ ألف ألف لين وألف رسالة، وألف حكمة وألف سلوك يغنيك عن غيره لتحكيم العقل فيما وافق الشرع دون وهم، ودون لجوء لطاقات زائلة أو مادة.
الذكاء العاطفي:
أما الذكاء العاطفي، فإن أبرز ما يُعرَّف به هو قدرة المرء على الفهم العميق لمشاعره والتحكم فيها، مترافقاً مع القدرة على قراءة شعور الآخرين واستيعابهم والتعامل معهم بما يناسب كل موقف. إن هذا التوازن النفسي هو ما يسمح بتقريب المسافات بين الأطراف، وتطوير العلاقات الاجتماعية والمساهمة في إنجاحها واستمراريتها.
وإننا عندما نضع هذه البنود والمفاهيم في ميزان العقل والشرع، لا ننكر إطلاقاً ما فيها من نفع لصالح الإنسان وما يمكن أن يسهم في تحسين أخلاقه وسلوكياته، وإنما نهدف إلى توضيح كيف أن ديننا الحنيف قد تطرق لكل ذلك بشمولية وهيمنة؛ حيث نبه إلى ضرورة الإحسان في المعاملة مهما كان الطرف المقابل وكيفما كانت ظروفه.
فـلِـمَ إذاً نجد أناساً يستحيون من التطرق لمثل هذه المحامد الإسلامية الأصيلة، أو ينأون بالحديث عنها وكأنها لا يصح الاستشهاد بها في محافل التطوير؟ في حين نجد بعض المنصفين من الغرب لا يمنعهم اختلافهم عنا في العقائد والتفكير من أن يمدحوا ما كان بارزاً في عصرنا الذهبي، حيث كانت للقيم والمبادئ والمكارم الإسلامية الكلمة الفصل والريادة المطلقة.